استيراد الحلول

الحديث عن العالم الثالث و نهضته و مشاكله لا يجب أن يكون بعيدا عن تخصص علم اجتماع التنمية و نظرياته، القديمة و الجديدة بما فيها نظرية التبعية و نظرية التحديث، لذلك أترك الخوض في هذا المجال لذوي الاختصاص من أساتذة و باحثين في علم الاجتماع، لأنهم الأقدر و الأجدر على الخوض فيه و الإفادة بما لا يمكن لأحد غيرهم من باقي التخصصات الاجتماعية و الإنسانية.

عن رأيي البسيط و المتواضع حول هذا الموضوع، أستطيع أن أضع له عنوانا بارزا يتركز حول استقدام الحلول الجاهزة لمعالجة مشاكل العالم الثالث، حلول قد تكون نجحت أو فشلت من قبل في دول و مجتمعات أخرى، مختلفة تماما عن دول و مجتمعات العالم الثالث الحالي، الحلول و البرامج المطبوخة سابقا في دولة أخرى بناءا على خصوصياتها الثقافية و الاقتصادية و السياسية و الاجتماعية و الجغرافية و المناخية، للأسف يتم استقدام هذه البرامج التنموية و تطبيقها بسذاجة و بدون أدنى اعتبار لكل تلك الخصوصيات. فكل مجتمع و بكل بساطة له خصوصياته و ما يصلح للنهوض به، و لا توجد مسلمات و بديهيات في هذا المجال، لماذا نستنسخ إذا الحلول كما هي بدون تغيير؟ لماذا لا يتم تشجيع البحث العلمي الحقيقي، و الأخذ بعين الاعتبار نتائج البحوث، و استغلالها في إنشاء برامج تنموية خاصة و محلية؟

إن الفشل المتكرر لعدد من البرامج التنموية المتبعة في دول العالم الثالث يؤدي بنا إلى شبه قناعة بعدم وجود رغبة حقيقية لدى أصحاب القرار للنهوض بمجتمعاتهم، و أن الوضعية الحالية هي المناسبة لهم.

كما أن الفساد و تفشي الرشوة و الاختلاسات و الواسطة و المحسوبية و عدم تكافئ الفرص و غياب العادلة الاجتماعية، كلها أمور تعرقل أي برنامج تنموي سواء على المدى القريب أو البعيد، مما يبقي على مشاكل الفقر و البطالة و السكن و تدني الأجور، و يبقي على إنسان العالم الثالث بعيدا عن الحياة الطبيعية الجميلة التي يحياها إنسان العالم المتقدم، و بالتالي يصبح الوصول إلى الضفة الأخرى من العالم هو أقوى حلم لدى أغلب سكان العالم الثالث، فتتعدد طرق و أشكال الهجرة الشرعية و غير الشرعية.

و كما نرى دائما، فإن المهاجرين ينقلون أشكال حياة العالم الثالث إلى العالم المتطور، مع أن نسبة كبيرة من هؤلاء المهاجرين اندمجت في الحياة بالمجتمعات المتقدمة من الناحية المادية و الثقافية.

العالم الثالث اليوم، هو عبارة عن مجتمعات لا زراعية و لا صناعية، لا هو قادر على توفير اكتفاء زراعي و غذائي، و لا هو قادر على اللحاق بالصناعة كما في الدول المتقدمة، هو الآن خليط لسياسات و برامج متراكمة و متعاقبة، فاشلة طبعا.

إن النهضة الحقيقية و الطبيعية لأي دولة و مجتمع تكون في كل المجالات، العلمية و الثقافية، الاقتصادية و الاجتماعية، و السياسية، حيث تسود الديمقراطية و حرية الرأي و التعبير و الاعتقاد، و الرفاهية المالية و الاقتصادية، و التماسك الاجتماعي، و الحركية الثقافية، و يكون هذا عبر تطبيق برامج فعالة و مناسبة في كل مجال من هذه المجالات و عبر تخطيط صحيح لكل، و في ظل وجود إرادة صادقة و تطبيق و جهد متواصل، و لكن في الغالب و حسب ما يحدث دائما، فإن نهضة الدول و المجتمعات لا تسير بنفس الوتيرة في كل المجالات، فقد يحدث أن يطغى الجانب الاقتصادي مثلا على باقي الجوانب، أو أي مجال على حساب مجال آخر، و لكنها في الأخير كلها مترابطة و يجر بعضها بعضا.

للأسف، في العالم الثالث لم يطغ أي جانب، و لم نر بروز النهضة في أي مجال، باستثناء بعض الأمثلة و التجارب الخاصة و التي لا يمكن التعميم بسببها.


( نُشر في مجلة "المسار" الجامعية - جامعة السلطان قابوس - سلطنة عمان)

انبطاح الصحافة في زمن العهدة المضمونة

لم أتعجب لنتيجة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، و لم تفاجئني نسبة فوز الرئيس الحالي و لا نسبة المشاركة، الطبخة كانت متوقعة من الجميع، مناصرين و معارضين، كما أني هذه المرة عايشت عملية التزوير و فهمتها جيدا، و لا يمكن طبعا أن أقول أني شاهد على عملية التزوير، لأنه ليس لي دليل مادي على ذلك.

ما جعلني أتفاجأ، هو نسبة الانبطاح، انبطاح الصحافة الجزائرية المكتوبة، و الناطقة بالعربية خاصة، و لم تسلم من هذا التحول نحو الانبطاح ربما إلا جريدة الخبر بكل فروعها، و هي في رأيي أكثرهم احترافية و صدقا و مصداقية.

بينما الصحف الناطقة بالفرنسية سارت أغلبها في طريق المعارضة، اختارت الصحف المعربة انتهاج مسار المساندة و التصفيق و التهليل للرئيس الأبدي و النادر حسب رأييهم، فهو حسب ما يقولون رئيس لم تلد الجزائر مثله من قبل و يشككون في أن تلد مثله فيما بعد !!!

لم أكن أتوقع أن يكون خضوع و خنوع الصحف المعربة إلى هذا الحد، خاصة بعض الصحف البارزة و الناجحة و التي عودتنا على النقد و الصراحة في الطرح، لكن يبدو أن الرئيس الحالي و من معه استطاعوا ترويض ما لا يروض أبدا، بدءا بالجنرالات و الوزراء و رؤساء الأحزاب، و وصولا إلى الصحف التي تسمي نفسها مستقلة و حرة.

لا أدري هل يوجد فعلا من لا يمكن ترويضه؟ كيف يتم الترويض؟

بكل بساطة، الترويض يتم عن طريق ملئ البطون و الجيوب، و مسح الديون، و المضحك المبكي أنهم بعد أن تملئ بطونهم ينقلبون 360 درجة إلى الجهة المعاكسة، لنسمع منهم بعد ذلك عبارات التبجيل و التعظيم للرئيس الحالي، لدرجة أن جريدة النهار مثلا نشرت قبل و بعد الانتخابات تقريرا مطولا عن حياة بوتفليقة سمته "لأول مرة…أسرار عن بوتفليقة الرجل"، و ستفاجئون لهول ما تقرؤون، حيث خيل إليّ أني أقرأ عن نبي جديد سيبعث إلى أرض الجزائر، و كأن كاتب الموضوع كان يحاكي سيرة سيد الخلق محمد صلى الله عليه و سلّم، أظن كاتب الموضوع كان يخجل فقط من إضافة عبارة "بوتفليقة رضي الله عنه"، فالجريدة التي نشرت الموضوع أثبتت أنها سيدة الانبطاح بلا منازع، و فعلا فقد فاتت باقي الجرائد بأشواط كبيرة في الانبطاح، رغم أنها كلها أقدم منها و كانت أسبق منها لميدان التودد لأولياء النعم.

كنت أعلم كما الجميع يعلم طبعا، أن حرية الصحافة بالجزائر هي حرية نسبية، و أن استقلاليتها ليست تامة، و كلها تعاني نوعا من التبعية لمصدر رأس المال، و لجهة صاحب الدعم و من له الفضل في استمرارية الجريدة، و مع ذلك لم أكن أتصور أننا سنرى صحافة منبطحة لهذه الدرجة مع الأيام الأولى للعهدة المضمونة.

ما الذي منعكم عن 99% ؟

حسب ما كان متوقعا، و بدون أي مفاجآت، كان الفوز في الانتخابات الرئاسية الجزائرية من نصيب الرئيس الحالي "عبد العزيز بوتفليقة" بنسبة 90,24%، حيث سيطر لوحده على أكثر من 12 مليون صوت، بينما اقتسم باقي الأرانب المنافسين له حوالي مليوني صوت، مع أن الأرانب مظلومة بتشبيه المنافسين الخمسة لبوتفليقة بها، الأرانب أرقى منهم، على الأقل هي لا تخفي خوفها، و لا تتظاهر بالقوة، و لا تستأسد و تأخذ أدوارا لا تليق بها.

نسبة المشاركة أيضا كانت ضخمة حسب المؤلفين للمسرحية الانتخابية، 74,54%، لا أدري ما الذي منعهم من جعلها أكثر ضخامة؟ ما دامت لهم الجرأة لحد يومنا هذا و في سنة 2009 من تأليف المسرحيات الانتخابية، و تكريس ديمقراطية العالم الثالث، تماما كما في أغلب الدول العربية و الإفريقية.

و لا أدري ما الذي منعهم من جعل نسبة الفوز تقارب 99% ؟ هل ولّت موضة هذه النسب؟ أظن الدارج هذه الأيام هي موضة النسب المعقولة قليلا، على الأقل نسبة 90% تركت جزءا صغيرا يتقاسمه باقي المنافسين، من غير المعقول أن يقتسم 5 منافسين 200 ألف صوت، بينما يأخذ متنافس واحد لنفسه 99% من الأصوات!!!

الله يرحم تلك الأيام، عندما كان الرئيس يفوز بـ 99% من الأصوات، حينما لم تكن هناك لا لجنة مراقبة و لا مجتمع دولي أو مدني، لا عولمة و لا وسائل إعلام منتشرة كما الآن.

و تماما كما يحدث في مجال الفن و الدراما العربية، التي تغيرت منذ ظهورها ليومنا هذا، تماشيا مع التطورات الحاصلة و الظروف المعاشة، نجد المسرحيات الانتخابية أيضا تتغير تماشيا مع الأحداث و الجو السائد في العالم و في البلد نفسه، مع أن نسبة 90% أيضا غير معقولة، لكنها في نظر أصحاب براءة اختراع النسبة 99% تعتبر معقولة جدا، بل و منخفضة مقارنة مع التأييد الشعبي الكبير لفخامته و الانجازات العظيمة و الجليلة التي حققها منذ 10 سنوات، رغم أنه اعترف بنفسه في شهر جويلية 2008 بفشله خلال العهدتين الرئاسيتين اللتين حظي بهما، ما الذي جعله يصر على الثالثة؟

أنا و من يكتب مثلي نوضع في نفس الإطار، و نوصف بالخيانة و بأننا نعرقل مصالح البلاد، بمعنى أنه يجب أن نكون من ضمن المصفقين لهم، و إلا فنحن خونة، تماما كما كان يفعل أنصار الشيوعية في السابق.

يجب أن نؤمن بديمقراطية العالم الثالث و إلا فنحن لا نحب وطننا، و يجب أن نتعلم قول نعم، و إلا فكلمة "لا" هي تعبير صريح عن الخيانة.

أكثر ما يزعجني في مسألة معارضتي هذه، أن التنظيم الإرهابي بالجزائر أو ما يسمونه "تنظيم القاعدة ببلاد المغرب العربي" و الذي مازال يقتل الأبرياء، هو أيضا دعا إلى مقاطعة الانتخابات، لذلك كنت منزعجا من تصنيفي معه، مع أني لم أدع للمقاطعة بقدر ما كنت أحلم بجعل الانتخابات ديمقراطية فعلا و إراحتنا من مسرحياتهم الرديئة.

أحادية متنكرة

بعد أحداث الخامس أكتوبر 1988 دخلت الجزائر مرحلة جديدة ميزها تغير شكل النظام، و تغير طريقة الوصول إلى الحكم، و التعددية الحزبية، و حرية الرأي و التعبير، و حرية الصحافة و الإعلام.

و منذ ذلك الوقت، و نحن نقول بأنها حرية نسبية و تعددية شكلية، و بأن التغيير الحاصل ما هو إلا تغيير في الشكل بينما المضمون بقي نفسه، و أصحاب القرار الأوّل و الأخير هم أنفسهم لم يتغيرو، و مصير الجزائر و شعبها لا يزال بين أيدي نفس الفئة و نفس الأشخاص، و هي أيدي غير أمينة طبعا.

الآن، نحن متأكدون أكثر من أي وقت مضى من أن الجزائر تعرف أحادية متنكرة في زيّ التعددية، فالديمقراطية و الحرية متاحة فقط للحد الذي يجعل الديكور جميلا و المجتمع الدولي راضيا.

المتابع للحملة الانتخابية الرئاسية هذه الأيام يفهم كلامي جيدا، و يتأكد من أن نظام الحكم أحادي مع ماكياج و روتوشات تعددية.

المقارنة بين الحملة الانتخابية للرئيس الحالي "بوتفليقة" الذي يسمي نفسه مترشحا حرا، و بين حملات الترويج لمنافسيه الخمسة الآخرين، يلاحظ الفرق الكبير بين الإمكانيات المسخرة للترويج لبوتفليقة و هي طبعا كل إمكانيات و مؤسسات الدولة بما فيها القدرات البشرية المسخرة طوعا و كراهية، و بين الإمكانيات البسيطة لباقي المترشحين لسباق الرئاسيات، و الذين اشتهروا هذه الأيام في الصحافة الجزائرية بلقب "الأرانب"، و كأنه يوجد اتفاق غير مقصود بين أغلب الصحف على أن السباق في الرئاسيات محسوم لصالح الرئيس الحالي، و أن باقي المترشحين هم مجرد أرانب سباق لاستكمال ديكور الديمقراطية و إعطاء مصداقية للانتخابات.

هناك أيضا قناعة شبه تامة لدى أفراد الشعب بأن النتيجة المرتقبة معروفة، و لا يوجد أي تشويق أو احتمال آخر، كما أن هذه القناعة جعلت أعدادا هائلة من ماسحي أحذية الكبار و محترفي التملق تتجه نحو الرئيس الحالي، لأنه الرئيس القادم، و هو أيضا الرئيس بعد القادم، و الذي يمكن الاستفادة كثيرا من الترويج و التصفيق له (حسب اعتقادهم).

و أنا و من ينتقد الأوضاع السائدة مثلي، نفعل هذا بحرية و بدون إزعاج لأننا جزء من الديكور الجميل للديمقراطية المصطنعة، ديمقراطية العالم الثالث، و إلا ما الذي يمنعهم من السكوت عن كل ما يقال و يكتب؟

و مع ذلك، لا أنكر بأنه خلال سنوات التسعينات الأولى، عرفت الجزائر نوعا من الحرية الحقيقية في التحزب و الصحافة، و ديمقراطية كبيرة في التعبير و إبداء الرأي، لكنها كانت حرية عشوائية و فوضى بدون قواعد، كادت تجعل الجزائر مثل أفغانستان.

الاعـتــذار أوّلا

فكرة المقال كانت تراودني منذ مدة، خاصة مع تصدر إيران نشرات الأخبار اليومية، و حضورها بصفة مباشرة أو غير مباشرة في تلك الأحداث، سواء كان الحديث عن برنامجها النووي، أو عن تدخلها في الشأن العربي و القضايا الشائكة بالمنطقة، و علاقتها بحزب الله و حركة حماس، و دورها في تحريك وتيرة الأحداث و تحكمها في مواقف و قرارات الدول و الحكام.


في الفترة الأخيرة، أو بالأحرى في السنوات الأخيرة، ازداد الضغط على إيران من طرف معارضيها على اختلاف أسبابهم، و تعالت الأصوات لوقف المد الإيراني بالمنطقة و الخطر الذي ينتظرها إن تمكنت إيران من انجاز مخططاتها بالشرق الأوسط (أو ما جعلونا نسميه رغما عنا الشرق الأوسط).


كل هذا، جعلني أعود بتفكيري إلى الوراء، إلى سنوات طفولتي في الثمانينات عندما كنا نسمع عن "تصدير الثورة الإيرانية"، و ما كان يتداول في الشارع بين الناس على ما حققته هذه الثورة الخمينية من نصر للإسلام و للحكم الإسلامي.


كان الناس منبهرون بما يقال عن إيران، و كانت تردنا الأنباء أيضا عن جزائريين عبروا إلى هناك للتدرب على الجهاد !!! لكن الجهاد ضد من؟ إن كانت الثورة الإسلامية بإيران تعتبر نموذجا مثاليا لهم، هذا يعني أنهم يتدربون على محاكاتها هنا بالجزائر و العمل بها كما فعلوا هم ببلادهم؟


و هذا ما حدث فعلا بسببهم و بسبب من ذهبوا إلى أفغانستان كمجاهدين ضد السوفيات و عادوا كإرهابيين متعطشين لدماء أبناء شعبهم، دون أن ننسى المذهب الوهابي السلفي الكبير الذي يتحمل النصيب الأكبر من وزر دماء الجزائريين التي سالت، فتاوى القتل و الذبح الوهابية كانت ممزوجة مع فتاوى الإخوان المسلمين في ذلك الوقت، و لم نكن نفرق كما اليوم كثيرا بين الإخواني و السلفي، فكل كلامهم كان يبدو لنا متشابها، فكله عن إباحة و هدر دماء الشعب الجزائري.


إيران ليست بريئة، و هي مطالبة بالاعتذار اليوم، و كذلك كل التنظيمات الدينية و الإرهابية السابقة و شيوخ الدين المتطرفين بالأمس و المعتدلين اليوم، كل هؤلاء مطالبون بالاعتذار للجزائر، و لا يكفي توقفهم عن تصدير الإرهاب و دعمه و الترويج له، و من الأولى لشيوخ السلفية الوهابية الذين يتكرمون علينا بزياراتهم للمشاركة في حقن الدماء، أن يعتذروا أولا عن الفتاوى الصادرة منهم و التي كانت سببا في إراقة تلك الدماء.

كلهم طباخون

غريب أمر الإرهابيين الجزائريين التائبين، ففي كل مرة يتم فيها الحديث مع أحدهم و سؤاله عن المهام المكلف بها قبل توبته، إلاّ و كان جوابه: "كنت طباخا".

كلهم كانوا طباخين، لا أحد فيهم قتل و ذبح، أو سرق و أحرق، أو نهب و اغتصب، و كأنهم طيلة فترة غيابهم عن منازلهم و تواجدهم بالجبال كانوا في تربص أو تكوين بمعهد للطبخ !!!

لست ضد ما تسمى المصالحة الوطنية، و لا ضد ما يسمونه الوئام المدني، كلنا نحب السلم و الأمن و الاستقرار، و لا أنكر الفرق الكبير بين الوضعية الأمنية السابقة، و بين الوضعية الحالية بعد تطبيق أغلب محتوى تلك البرامج (الوئام و بعده بسنوات المصالحة)، لكني أتساءل دائما إن كان العفو العشوائي هو الحل الأمثل لكل ما حصل، و هل هو الجزاء المناسب لكل هؤلاء النازلين من الجبال على ما فعلوا؟

إن كان جزاءا لممارستهم الطبخ، فهو نعم الجزاء، لكن إن كان من بين أؤلئك المعفى عنهم من ذبح جاره، و اغتصب القاصرات و وضع القنابل و المتفجرات، هل نعامله كمن لم يفعل شيئا؟ هل نضعه بمرتبة من كان فعلا يطبخ للإرهابيين أو يزودهم بالمؤونة؟ مع أن هذه المهمة أيضا لا تقل قذارة عن القتل إلا بالقليل.

من بين هؤلاء النازلون من الجبال، من كان مؤطرا و مخططا و منفذا لأكبر العمليات الإرهابية و أكثرها استمرارية، هل يعقل أن يتم العفو الشامل عنه هكذا و بكل بساطة و كأن خطأه كان مجرد عنف لفظي لا يتجاوز السب و الشتم.

لست أفهم كيف يتحول أمثالهم من المطلوبين رقم واحد لدى الأمن الجزائري، إلى نجوم على صفحات الإعلام يتحدثون عن الوئام و المصالحة و يروجون لها و يحفزون من بقي بالجبال على العمل مثلهم و التمتع بامتيازات برامج العفو العشوائي الشامل.

و منهم من أصبح يتحدث أيضا عن القضية الفلسطينية، و ينظم للمظاهرات التضامنية مع قطاع غزة، و يتوعد إسرائيل، ربما يتوعدها بأن يفعل بها كما فعل هنا بأبناء وطنه، و ما يثير اشمئزازي هو نفاق بعض الصحف التي لم تفوت الفرصة لتقديم التحية لمؤطر الإرهاب هذا، و الذي يحاول غسل ذنوبه بالتضامن مع غزة، و كأنه يقتدي بالراقصات المصريات اللائي يغسلن ذنوبهن في رمضان بالعمرة و تنظيم موائد الرحمان، مع الإصرار على العودة إلى الاسترزاق من الرقص بعد رمضان.

من المفروض أن من يتوب عن ذنب يجب أن يقرّ به أولا و يصر على عدم العودة إليه، و التائب من ذنب معين يكون خجلا من فترة معصيته و ارتكابه للذنوب، لكن الواقع هنا بخصوص هذه الفئة ليس هكذا أبدا.
كغيري من أبناء الجزائر أحلم بالأمن و الاستقرار، و أؤمن فعلا بالمثل المصري الجميل الذي له أصل في السنة النبوية الشريفة، و الذي تتحفنا به الدراما المصرية دائما: "المسامح كريم"، لكن في وضعية الجزائر اليوم و بالنظر لما حصل و يحصل، أظن أن المثل يصبح "المسامح ضعيف"، لأن المسامح هنا مجبر لا حل له إلا العفو العشوائي الشامل.

كذبة المجتمع المدني

مثلما الديمقراطية في الجزائر هشة بل و وهمية، مجتمعها المدني أيضا وهمي و وجوده شكلي فقط، لاستكمال ديكور الديمقراطية التي يجب أن يكون لها ديكورا واضحا للآخر، العالم الغربي، مراقب الديمقراطية و راعيها.

بعد أحداث 05 أكتوبر 1988، و بعد أن ودعت الجزائر شكل النظام الأحادي، و دخلت عهد التعددية الحزبية و حرية الرأي و التعبير و الصحافة، بعد هذا ظهرت عشرات الصحف، و مئات الأحزاب و الجمعيات باختلاف أنواعها و ميادين نشاطها، تكاثرت بطريقة هائلة، لكن كثرتها لم تجعلها قوة فاعلة في المجتمع و مؤثرة في الرأي العام، و من المفروض أن تكون منظمات و جمعيات المجتمع المدني هي صانعة الرأي العام و المحرك الأول له، و هي المؤثرة الرئيسية في القرارات الصادرة من السلطة، سواء بقبولها أو رفضها، تعديلها أو تغييرها.

و من المفروض أيضا، أن المجتمع المدني هو مجموعة المنظمات و الجمعيات غير الحكومية التي تكون مستقلة عن الدولة، و مهمتها تقديم خدمات أساسية للمواطنين في مجالات الصحة و التربية و الزراعة و البيئة، كما تقدم خدمات تدريبية و تثقيفية و تنظيمية و تأطيرية سياسية، و الأهم أنها تشكيلات لا تقوم على مبدأ الربح.

هذا المفروض، و ما يجب أن يكون، لكن على أرض الواقع، و بجزائر الديمقراطية المقنعة، منظمات المجتمع المدني البارزة و المجهرية هي في الغالب لمساندة الرئيس و النظام الحاكم، و مهمتها الأساسية هي التصفيق لهما، و حشد الناس خلال التجمعات و الملتقيات لسماع الخطابات المكررة، و لجمع التوقيعات في حال تطلب الأمر ذلك (تماما مثلما حدث هذه الأيام لجمع توقيعات المساندة للرئيس الحالي).

إذا أخذنا بعين الاعتبار عامل "الاستقلالية" عن النظام الحاكم كشرط أساسي لإطلاق صفة المجتمع المدني على أي منظمة، لا يمكن عندها اعتبار الأحزاب السياسية الجزائرية من ضمن منظمات المجتمع المدني، بكل بساطة لأن ولاء أغلبها هو للنظام الحاكم، و بطريقة غير مباشرة هي تابعة له و راعية لقراراته و استمراره، حتى من تصنف على أنها أحزاب معارضة، تبقى معارضتها شكلية فقط، و كذلك الأمر بالنسبة للاتحاد العام للعمال الجزائريين الذي لم يرق أبدا إلى مستوى المنظمات العمالية الحقيقية التي تقول كلمة الحق بصراحة و بدون الخوف من زوال رضا ولي النعمة، و أيضا اتحاد النساء الجزائريات الذي لا يفوت فرصة للتصفيق و التهليل للنظام.

كما و استنادا لشرط الاستقلالية، لا يمكن أبدا تصنيف منظمات: "المجاهدين" و "أبناء المجاهدين" و "أبناء الشهداء" كمنظمات مجتمع مدني، بسبب تبعيتها المباشرة لوزارة المجاهدين و للنظام ككل.

و بالتالي و بنزع صفة "المجتمع المدني" على كل تلك الأحزاب و المنظمات و الاتحادات، تبقى لدينا الجمعيات الخيرية و الثقافية و الرياضية، و هي في الغالب إما مهمشة، أو أنها منضوية تحت لواء المصفقين و المهللين للنظام.

إن معارضة النظام ليست شرطا لتكون منظمات المجتمع المدني فاعلة و مؤثرة، المعارضة ليست هدفا في حد ذاته، لكن من غير المعقول أن نرى أغلب منظمات المجتمع المدني و على مدى سنوات عديدة و متتالية تكرس كل وقتها و جهدها لمدح النظام و إرضاءه.

سنوات السعار الجنسي

من بين أكثر الظواهر الاجتماعية التي أعايشها يوميا و لو كملاحظ، ظاهرة التحرش الجنسي، هو موجود في كل مكان، المؤسسات و الإدارات، في الحافلات و الشوارع و الطرقات، و كأن كل الناس أصيبوا بمرض السعار الجنسي.


نظرات الشباب و الكهول للنساء و الفتيات كنظرة الجياع إلى الطعام، أو العطشى إلى الماء، ظمأ عاطفي و جنسي كبير يعاني منه الرجال صغارا و كبارا، عزابا و متزوجين، و لا تسلم من تلك التحرشات و المعاكسات إلا العجائز الهرمات، فكل من ينطبق عليها وصف “أنثى” هي صالحة للتعامل معها كمصدر إشباع جنسي، هي مثيرة و لو كانت منقبة أو ذميمة أو معاقة.


أصبحت الظاهرة مقلقة فعلا، لأنها شملت كل الفئات العمرية و النوعية من النساء، فالمسؤول في الإدارة يتعامل مع كل وافدة جديدة إلى إدارته على أنها صالحة لأن تكون وجبة جنسية سريعة بالمكتب وقت انتهاء الدوام، أو بركن مخفي من أركان المؤسسة، على شاكلة الأفلام و المسلسلات الأمريكية التي عرفت جيدا كيف تجسد الجنس في الإدارات و المؤسسات.


في الحافلات، هناك متخصصون محترفون في هذا المجال، هم فئة لوحدها من مرضى السعار الجنسي، هم من الفقراء الذين يعانون جوع البطن و الفرج، يوم تكون الحافلة مكتظة ذلك هو يوم العيد عندهم، حيث تكون الفرص كثيرة و الأجساد المتلاصقة من كل نوع و لون.


أما في الشوارع و الطرقات، فمن المستحيل مرور دقيقة واحدة بدون معاكسة، عنف رمزي و ألفاظ جنسية صريحة تستخدم في معاكسات الشباب لكل أشكال التنوع النسائي الموجودة أمامهم بالشارع، مع أن الأكثر استهدافا هن ذوات المؤخرات البارزة ممن يلبسن السراويل الضيقة، لا أدري هل ميزة الألفية الثالثة هي الاهتمام بالمؤخرة دون غيرها من باقي أعضاء الجسم؟


أظنها ظاهرة موجودة بكل دول العالم، أو بالأحرى هو اتجاه أو ميول يميز عالم اليوم، البعض يقرنه بالمغنية “شاكيرا” و مثيلاتها ممن يظهرن اهتماما كبيرا بتلك المنطقة الحساسة، و التي تساهم كثيرا في استمرارهن على الساحة الفنية.

و للموضة الدور الأكبر في هذا الاتجاه، و لا عجب في ذلك بما أن أغلب مصممي الأزياء العالميين هم من المثليين، حيث تشكل تلك المنطقة لهم عقدة حياتهم.


و كما للموضة و التحرر الجسدي العشوائي نصيب كبير من اللوم في تفاقم هذه الظاهرة، يجب أن يكون للقوانين الغائبة نصيب أيضا من هذا اللوم و كذلك اللوم على من يتهاون في ضبط الأمن و توفيره، و للعدالة المفقودة أيضا نصيب، و طبعا الوضع الاجتماعي المتردي و كل ما يحويه من فقر و بطالة و مخدرات و تأخر سن الزواج، كلها أسباب هامة جدا و مباشرة في بروز ظاهرة السعار الجنسي.


لكن المشكل أيضا، يتعلق بالأخلاق، و بنوعية الوعي و الوعظ الديني و الأخلاقي الذي يتلقاه الفرد في المجتمع، هناك خلل في نوعية الوعظ السائد، ففي نفس الشارع قد نلحظ شابين، أحدهما له الجرأة على لمس مناطق حساسة بجسم فتاة تسير أمامه، و الآخر من شدة طأطأته لرأسه و تفاديه النظر إليها، يصطدم بالناس و يتعثر بهم، أي مجتمع نعيش به، و أي مستقبل نرجو بوجود هذه النماذج؟

سياسة جس النبض

لا تختلف القنوات الفضائية العربية كثيرا عن الأنظمة العربية الحاكمة، بل هي تشبهها كثيرا وتحاكيها جيدا في بعض طرق تعاملها مع الشعوب والجماهير العربية. تلتقي تلك القنوات مع تلك الأنظمة وتتفق معها وبدون قصد حول انتهاج سياسة جس النبض، فالشارع العربي نبض يجب أن يقيسه الحكام قبل إصدار القوانين الجديدة، وتغيير الدساتير وتغيير نوع الحكم، كما للتحرر العربي نبض يجب أن تقيسه الفضائيات قبل عرض أي مادة جديدة تحوي تحررا جسديا غير معتاد لدى الجماهير العربية.

ما فعلته أنظمتنا وتفعله منذ بدء وجودها الأبدي، هو تماما ما قامت وتقوم به فضائياتنا منذ ظهورها في سنوات التسعينات، فقد اعتدنا مثلا بالجزائر أن نسمع الإشاعات المختلفة تنتشر هنا وهناك عن أمور سياسية واقتصادية واجتماعية، عن قانون جديد يتعلق بسياسة الشغل، أو نظام التأمين والضمان الاجتماعي، أو النظام الصحي، عن احتمالات تولي الشخص الفلاني لمنصب وزاري، عن عودة ذلك السياسي الغائب إلى الأضواء قريبا.
هذه الإشاعات هي تحضير نفسي جيد لأفراد الشعب لتقبل تلك القوانين عند صدورها، وهي بمثابة جس النبض لهم، وقياس مدى تقبلهم لذلك التغيير.

أما القنوات الفضائية ولكي تقوم بجس نبض الجماهير اتجاه التحرر الجسدي فهي لا تعتمد على الإشاعات، وإنما تتبع سياسة الجرعات الخفيفة الأولية، لأن جرعة التحرر الكبيرة والمفاجئة قد تسبب لجمهور المشاهدين حساسية، وردة فعل عنيفة ورافضة لما يبث من أمور مختلفة عن المعتاد.

الجرعات الخفيفة من مناظر العري والقبل والأحضان والرقص، تمنع ظهور رفض كلي لتلك البرامج والمواد الإعلامية، وتضمن استمرارها، مع زيادة نسبة الجرعات تدريجيا وعبر سنوات إلى أن تصل إلى ما وصلت إليه الآن.
فالتنورة العربية التي كانت تبدو في سنوات التسعينات فوق الركبة أصبحت الآن “مايوه” لا يغطي من جسد من ترتديه إلا المناطق الحساسة جدا، ولا ندري هل سيحين دورها هي أيضا للظهور في الكليبات الغنائية والبرامج التلفزيونية.

في سنوات التسعينات، عند ظهور “دي دي” الأغنية الضاربة والناجحة لمغني الراي العالمي الجزائري الشاب خالد، عزفت كثير من التلفزيونات العربية عن عرضها بحجة تنافيها مع عاداتنا وأخلاقنا، وبسبب التحرر الجسدي الذي يحويه كليب الأغنية، والقنوات التي عرضته في ذلك الوقت، قامت بالتصرف في صوره وحذف بعضها وتثبيت الأخرى، وكأننا أمام فيلم جنسي وليس كليب غنائي.

اليوم، نفس تلك القنوات التي رفضت أغنية “دي دي” وحذفت لقطات منها، تقوم بعرض مسلسلات جريئة وأغاني إيحائية صريحة لشبه مغنيات يلبسن كما يقول عادل إمام “من غير هدوم”.

المسلسلات التركية عند ظهورها العام الماضي، لم تكن بنفس التحرر الذي هي عليه الآن، دائما أول مرة تكون عبارة عن جس نبض، حيث يتم حذف بعض المشاهد لتخفيف جرعة التحرر الجسدي الموجود بالمسلسل، فالأحضان والملامسات والمداعبات الجسدية الموجودة الآن بمسلسل “وتمضي الأيام” غير متوفرة بنفس تلك الكثافة بمسلسل “نور” الذي عرض قبل عام.
نفس الشيء حدث مع برنامج تلفزيون الواقع “ستار أكاديمي”، في الأول كان ممنوعا على التلاميذ الذكور الدخول لغرف نوم البنات، هذا في “ستار أكاديمي 1″، الآن في ستار أكاديمي 5 و 6، نرى تلميذات الأكاديمية يسبحن بالبيكيني.

سياسة جس النبض تخلق الألفة لدى المشاهد لأمور يرفضها لو جاءت مباشرة، ويحضنها لو دخلت عليه تدريجيا، المشكلة كلها تتعلق بالتعود، عندما يتعود الشعب أو الجمهور على فكرة معينة، يصبح قابلا لها ومتعايشا معها، ولو كانت تلك الفكرة عبارة عن قانون ظالم أو مادة إعلامية إباحية.

ارحمونا من جلالته وفخامته

في الوطن العربي، لا تقام أي تظاهرة كبيرة أو صغيرة، إلا برعاية الملك أو الرئيس، كل الإعلانات التي تروج لتلك التظاهرات مكتوب عليها عبارة “تحت رعاية جلالة الملك..” أو “تحت رعاية فخامة الرئيس..”

جلالته أو فخامته لهم الفضل في رعاية التظاهرات والاحتفالات السياسة، والاقتصادية والاجتماعية، والخيرية، وخاصة هذه الأخيرة، التي يبدو أنها لن تكون أبدا بدون تدخل أصحاب الجلالة والفخامة، وكأنهم هم من جاءوا بالخير للدنيا، وكأن الخير لن يظهر للوجود ولن يشمل الضعفاء والمساكين من دون رعاية الحكام.

أصبحت أشعر بالاشمئزاز من تلك البرامج التلفزيونية التي تنجز للترويج لفخامته وجلالته، حيث تحاول إقناعنا بأنه لو لم يتدخل حاكم تلك الدولة أو المملكة لما تمكن ذلك المريض أو المعاق من العلاج. فتارة يقولون لنا بأن جلالته أو فخامته أرجع البصر لأعين طفل فقير، وتارة أخرى أنه أنقذ عائلة بأكملها من العراء وأرجع لها كرامتها، وكل هذا من خزينة الدولة والتي من المفروض أن يعم خيرها على جميع أفراد المجتمع من دون تدخل استثنائي من أصحاب الفخامة والجلالة.

لماذا تكون مليمات وسنتيمات تلك الخزينة حكرا فقط على الحالات التي يتطرق لها الإعلام لغرض التملق للحاكم ومدحه كما كان ولازال يفعل بعض الفنانين والشعراء؟

أليس من المنطقي أن الدولة أو المملكة إذا دخل الخير إلى خزائنها أن يعم ذلك الخير كل المواطنين وأفراد الشعب؟

لا أتحدث هنا عن اشتراكية مثالية، ولا أطالب بتوزيع ريع وأرباح النفط على كل فرد من الشعب كما فعل القذافي أو يقولون أنه سيفعل، كل ما أنوي الوصول إليه، هو أنه من الغريب أن نرى عائلات تتضور جوعا أو مريضا يموت بسبب عجزه عن توفير تكاليف العلاج في دولة أو مملكة خزائنها ممتلئة وحكامها يتباهون أمام المجتمع الدولي بزيادة الدخل السنوي وارتفاع معدل التنمية بها.

في الجزائر مثلا، قوانين الحماية الاجتماعية الخاصة بالفئات المحرومة وبالمعاقين والمرضى أعتبرها قوانين مشوهة، فيها ظلم واستهزاء كبير بتلك الفئات، أليس الأجدر أن تعدّل تلك القوانين حتى نرحم المواطن من اللجوء إلى استجداء الجمعيات الخيرية والمساجد، أو اللجوء للصحافة المكتوبة لعرض تسوله، لماذا ينتظر وزير التضامن الوطني دائما نشر تلك الطلبات الملحة والمستعجلة على صفحات الجرائد ليتدخل بعدها كأبطال الأفلام الخيالية وينتشل صاحب المشكلة مما هو فيه، والمحزن أن ذلك التدخل أحيانا يكون تدخلا افتراضيا، ولا يتحقق على أرض الواقع ويبقى مجرد حبر على ورق الجرائد.

لا نريد بطولات وهمية لحكامنا ووزراءنا في الصحف والقنوات الفضائية، نريد تعديلا منصفا للقوانين الظالمة، تعديلا لقوانين الصحة والضمان الاجتماعي، وقوانين المعاقين والفئات المحرومة، قوانين تضمن تكافئ الفرص في الحصول على منصب عمل، أم أن الشاب البطال هو الآخر يحتاج لمحاولة انتحار أو تجريب الهجرة غير الشرعية للحصول على منصب عمل.

حلم آخر أختم به كالمعتاد، أحلم بقوانين عادلة تغنينا عن التدخلات الاستثنائية للحكام والبطولات الوهمية لجلالته وفخامته.

أوجه متعددة لحملة انتخابية نتيجتها معروفة

اعتدنا في الجزائر على أن لا نرى مليمات وسنتيمات خزينة الدولة إلا قبيل بدء الحملات الانتخابية، خاصة تلك المتعلقة بالرئاسيات والدساتير والبرامج والقوانين التي حتما ستكون نتيجة التصويت عليها بنعم، سواء رافقتها حملة انتخابية ناجحة، أو فاشلة، أو لم ترافقها أبدا.

لكن، الحملة الانتخابية هي لإكمال الديكور اللازم وجوده لتكون المسرحية جميلة وصالحة للمشاهدة. ولإيهام الناس بأن الحملة الانتخابية ناجحة، لا بد من فتح خزائن الدولة وتسخير محتواها للوصول للنتيجة الحتمية التي ستكون في النهاية مرضية لمن يتصرفون في مصير الجزائر ويقال عنهم بأنهم يحكمون ولا يظهرون في الصورة.

لذلك، لا يهم هذه الحملة هي لصالح الرئيس الحالي أم لرئيس آخر سيكون في مكانه حسب ما تتطلبه الظروف وما يرضي أصحاب القرار ومصائر الناس، المهم، أن الحملة بدأت قبل موعدها الرسمي، وإن تعددت أوجهها، وإن جاءت في شكل لا يوحي للمرة الأولى بأنها تندرج ضمن الحملة الانتخابية.

بالنسبة لبعض قوانين الحماية الاجتماعية الخاصة بالفئات المحرومة، لماذا لم يتم تعديلها إلا قبيل الانتخابات الرئاسية؟ طبعا ليقال بأن ذلك التعديل وهذه الإكراميات التي نزلت على الفئات المحرومة هي من طرف سيادة أو فخامة الرئيس. لماذا ترفع منحة المسنين من 1000 دينار جزائري إلى 3000 دينار جزائري في هذا الوقت بالذات؟

وماذا عن برنامج التشغيل الجديد الذي يقوم بتشغيل الشباب من ذوي المستوى التعليمي المتدني والذين تقل أعمارهم عن 35 سنة، وبمدة عقد لا تزيد عن سنة أو اثنتان فقط؟ لماذا في هذا الوقت بالذات قررتم الانتباه لهذه الفئة والقضاء الافتراضي على بطالتها وبيع الأوهام لهم بعقود لمدة عام أو عامين، وبعدها يبقى مصيرهم مجهولا؟

أظن مدة عام تكفي، لأنه عندها تكون الانتخابات الرئاسية قد مرت بخير وسلام، ويكون أغلبية الشباب الذين شملهم برنامج التشغيل الجديد قد انتخبوا على ولي نعمتهم وصاحب الفضل فيما هم فيه ينعمون.

لماذا استهداف هذه الفئات بالتحديد بتلك البرامج قبل الانتخابات؟

فئة المسنين، وفئة الشباب ذوي المستوى التعليمي الضعيف، ربما لأنها الفئة الأقل وعيا، ربما هي لأنها الفئة التي تؤمن بسرعة بأحقية الرئيس الحالي في عهدة ثالثة بفضل تلك البرامج؟ هل يعقل هذا؟

وماذا عن فئة الجامعيين وذوي المستوى التعليمي العالي؟

وعن النساء، هل يوجد شيء من ضمن تلك البرامج المروجة للمرشح الحقيقي للانتخابات الرئاسية؟ أظن النساء في الجزائر أكبر فئة تقوم بالانتخاب، وعدم استهدافهن بمثل تلك البرامج يعتبر خطأ كبيرا من قبل مخرجي ومؤلفي المسرحيات الانتخابية.

استغربت هذه المرة عدم التكرم على الشباب الجزائري بالإعفاء من الخدمة العسكرية مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية!! فمن المعتاد أن تكون هذه المبادرات هي من أولى خطط الترويج للانتخابات.

المهم، مع كل تلك البرامج الترويجية والقوانين الجديدة، سيكون طبعا من المنطقي جدا أن تكون نتيجة الانتخابات المقبلة لصالح فخامته، لأنه تكرم كثيرا على هذا الشعب مسنين وشبابا، ألا يحق له الحكم لعهدة ثالثة؟

أحلام اليقظة لا تصنع نصرا

حاولت عدة مرات منذ انتهاء العدوان الصهيوني على قطاع غزة أن أبحث عن صورة النصر الذي تتحدث عنه حركة حماس فلم أجدها، لم أتمكن من رؤيتها، هي صورة افتراضية توجد فقط في أحلام يقظتهم و في أذهان الشعوب المتأثرة بالخطابات الحماسية، شعوب معذورة في ذلك، ربما بسبب حبها الصادق لفلسطين وأمانيها الدائمة بتحرير الأراضي المحتلة. وهي أمنية نشترك فيها كلنا عربا ومسلمين، ومتفقون على هذا الموقف الثابت من القضية الفلسطينية منذ احتلال فلسطين سنة 1948 ومنذ بداية سنوات النكبة الـ 60.

متفقون على أن المقاومة حق مشروع لكل شعب محتل سلبت منه أرضه بالقوة، ما نختلف عليه، هو شكل تلك المقاومة، ونوعيتها، وأسالبيها، والعباءة التي تلبسها، أو اللون الذي تتلون به العباءة، نختلف عن تعريف المقاومة، هل هي مسلحة فقط؟ وهل المفاوضات هي شكل آخر من أشكال المقاومة أم هي استسلام وبيع للقضية؟

كما أن مشاعر التضامن مع أهل غزة وما حدث ويحدث معهم، أظنه أمرا مفروغا منه، ولا يمكن مناقشته، فرغم اختلافنا حول ماهية المقاومة، يبقى أمر التضامن مع أهلنا في فلسطين أمرا ثابتا وموقفا لا يتغير، وفلسطين ليست هي حماس، لذلك فانتقاد حماس لا يعني انتقاد فلسطين أو الفلسطينيين، أو عدم الوقوف معهم في محنتهم، ولا يستطيع أحدا أن يفرض علينا عدم انتقاد حماس أو تقديسها كما يفعل البعض وكأنها ظل الله في الأرض، نعم هي حركة مقاومة تدافع عن قضية عادلة نؤمن بها كلنا، لكنها حركة حسب تقديري غبية جدا وبقدر ما نؤمن بأن قضيتها عادلة، بقدر ما كانت غبية جدا في دفاعها عن تلك القضية، ومتهورة لأبعد درجة.

حركة حماس وللأسف تعاني من غباء إعلامي كبير، وتحاول من خلال تصريحاتها إقناع الناس بنصرها المحقق في حربها غير المتكافئة مع إسرائيل، أحلام يقظتنا تدور كلها حول تحقيق النصر الموعود، سواء كان انتماءنا حمساويا أو لا، لكن لا يمكن تصديق تلك الأحلام بمجرد وجودها في أذهاننا، أين هو النصر الذي تتحدث عنه حماس؟ هل سقوط أكثر من 400 طفل يعتبر نصرا؟ أو أكثر من 1300 شهيد في 20 يوما يعتبر فوزا في الحرب؟

حماس تقول بأن إسرائيل لم تحقق أهدافها من العدوان، نعم هذا صحيح، وهل حققت حماس مطالبها وأهدافها؟ هل فتحت المعابر بدون شروط؟ هل دخلت المعونات وشاحنات الغداء والدواء بدون رقابة؟ هل كسبت حماس مزيدا من التأييد والالتفاف حولها؟

حماس تقيس نصرها على نتائج الحرب التي صرحت بها، أي 48 شهيدا من مقاتليها، مقابل أكثر من 80 جنديا إسرائيليا، قد تكون أرقاما صحيحة، لكن ماذا عن الأطفال الـ 400؟ وما عن الـ 1300 شهيدا من باقي سكان قطاع غزة؟ ألا يحسبون ضمن معادلة الربح والخسارة؟ أم أنهم مجرد ضريبة حرب، والفلسطيني يجب أن يموت في مثل هذه الظروف ويكون مجرد رقم في ترمومتر الموت.

استشهد نزار ريان، وتوعدت حماس برد عنيف ولم نر شيئا، وبعده سعيد صيام، وتكرر الوعيد بالرد والنصر ولم نر شيئا، وسقط المزيد من الضحايا حتى جاوزوا الألف، واستمر الوعيد عبر التصريحات التلفزيونية، وللأسف لم نر نصرا.

خطابات الفضائيات التعبوية لا تصنع نصرا ولا تحقق فوزا، والأحلام الجهادية لا تحقق عبر إبقاءها في الأذهان والتمتع بها خلال اليقظة والنوم، ولا عبر الكلام المتناقل في وسائل الإعلام. ما فائدة الحديث حول ما يجب أن يكون في ظل عجزنا عن مواجهة ما هو كائن؟

ألا يستحق الحصار أغنية؟

فجأة، و مع ارتفاع عدد ضحايا و شهداء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ظهرت أصوات التضامن من العالم العربي و الإسلامي، شعوب و جماهير خرجت للطرقات، فنانون و مطربون عرب سجلوا أغاني وطنية تضامنية مع غزة في وقت قياسي، حتى لا يفوتهم تسجيل موقف التضامن هذا قبل انتهاء الحرب، التي كان متوقعا لها أن تتوقف قبل حفل تنصيب الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما، و فعلا هذا ما حصل، توقفت الحرب قبل ذلك الحفل بأيام قليلة.

التضامن مع أهالي غزة وقت الحرب و بعدها واجب ضروري جدا، و من غير المعقول عدم حصوله، لكن ألم يكن الأولى من الشعوب و الفنانين المعلنين لحبهم لغزة و وقوفهم مع أهلها أن يكون تضامنهم معهم أيام الحصار الطويلة التي مرت عليهم بصمت و كل الناس نيام عن حجم الكارثة التي كانت تقتلهم تدريجيا و بدون أن يشعر بهم أحد.

ألم تكن أشهر الحصار القاسي الذي مر على غزة تستحق التفاف العرب حول القضية الفلسطينية و إنقاذها من الوضع الذي وصلت إليه؟
هل التضامن لا يكون إلا بعد سقوط أكثر من 300 طفل بنيران العدو و قنابله العشوائية؟

كل هذه التبرعات التي تجمع بالملايين في كل الدول العربية و الإسلامية، أين كانت وقت الحصار؟ كل هذه الدموع المتساقطة سواء صدقا أو نفاقا، لماذا لم تسقط لما كان أهل غزة يصرحون بعجز مستشفياتهم و نفاد مؤنهم؟

لو كان أهل الفن صادقون في تضمانهم، لماذا لم نر أغاني ضاربة و ناجحة و متقنة تتحدث عن غزة و تنشر قضيتها و قضية الشعب الفلسطيني؟ أم أن فلسطين لا نتذكرها إلا عندما يتم ردم أهلها تحت أنقاض منازلهم؟

أين كانت مواقف الدول العربية عندما كان الحصار ينخر الجسد الغزاوي لعدة شهور؟
لماذا لم تجمد العلاقات مع إسرائيل في ذلك الوقت؟ أم أن الأمر كان يتطلب سقوط أكثر من 1200 شهيد و 5000 جريح؟

من يدعي الإحساس بقضية فلسطين، و بحب فلسطين و التضامن معها، كان الأولى به أن يكون تضمانه أيام الحصار الظالم، يمكن لو رأينا مثل هذه المواقف التي نراها الآن في مثل تلك الشهور الماضية، ربما لكان ما حصل لم يحصل. أتحدث و ألوم هنا الكل عن تقصيره، من أصغر مواطن يخرج في تظاهرات التضامن مرورا بالفنانين المنافقين و وصولا إلى من يسمون زعماء الدول العربية.

نجوم تتألق خلال الحرب





القنوات الفضائية الإخبارية و مقدمو نشرات أخبارها، هم نجوم الحروب و الأزمات في الألفية الثالثة، مع أن بوادر هذه النجومية بدأت منذ سنوات التسعينات مع ظهور الفضائيات، إلا أنها تأكدت خلال الحروب الأخيرة التي اشتعلت نارها في السنوات الماضية، خاصة حرب تموز 2006 أو العدوان الإسرائيلي على لبنان في شهر جويلية 2006 و حربه على شعب لبنان و ضد حزب الله.

و طبعا الحرب الحالية التي لا يزال شعب غزة يحترق بنارها لغاية كتابة هذه الأسطر. و مع تزايد حدة المعارك و وحشية العدوان تزداد حدة التنافس بين الفضائيات على السبق الصحفي و الصورة الحصرية و الخبر الجديد، و تختلف صور الدمار و نوعية المواد الإعلامية المعروضة حسب توجه القناة و غرضها من بثها الإخباري، و يمكن معرفة الخط الذي تسير عليه القناة من مجرد التمعن في العناوين التي بدأت تضعها و تغيرها منذ بدأ العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة إلى غاية يومنا هذا. عناوين مكتوبة بالبنط العريش على أحد جوانب الشاشة تدل على المرحلة التي وصلت إليها الحرب و طريقة نظرة القناة إلى ما يحصل.

في أول العدوان، كتبت قناة الجزيرة غزة تحت النار، و الآن تكتب الحرب على غزة، أما قناة العربية المنافس الأول و الحقيقي لقناة الجزيرة، فقد وضعت في الأول عنوان غزة تحت اللهيب، و الآن تضع اجتياح غزة، أما قناة الحرة و التي أعتبرها بعيدة كثيرا عن منافسة العربية و الجزيرة، فقد كتبت عنوان الحرب في غزة، كدليل واضح جدا على عدم وقوفها مع أي طرف رغم أن العدو واضح و الضحية كذلك، فلا مجال للتساؤل عن من دخل على من، و من اعتدى على من؟ أظن بأن مصطلح الحرب في غزة عندما تكون الحرب بين طرفين إما يسكنان في نفس المدينة، أو العكس، لا يسكنان بها و لكن التقوا فيها و قامت الحرب بينهما على أرضها. لكن هنا إسرائيل هي من دخلت غزة بغرض القضاء على حماس و اعتدت بهذه الذريعة على كل سكان غزة من أصغرهم إلى أكبرهم، و جعلتهم يتساقطون الواحد تلو الآخر حتى يكاد يصل عددهم للألف و بكل سهولة لو استمرت الحرب ليومين أو 3 أيام بعد كتابة هذا المقال.

قبل أن أكمل مع باقي القنوات، قناة الجزيرة طبعا معروفة بميلها الكبير إلى الاتجاه الإسلامي و حركة حماس، إن لم تكن ناطقا رسميا لها حسب اتهامات البعض، و بالتالي فهي خلال تغطيتها للعدوان الصهيوني على غزة تبنت كالعادة الاتجاه الجهادي و الإسلامي و جاءت نشرات أخبارها رغم دقة المعلومة و احترافية مراسليها و مقدمي نشرات أخبارها، جاءت رغم ذلك مليئة بصور و أصوات الإسلاميين و صراخهم، قادة و جماهير، خاصة و أن قناة الجزيرة تترك الفرصة كثيرا لجمهور المشاهدين للإدلاء بآرائهم في برامجها المباشرة. و هذه نقطة يحسبها البعض لصالح الجزيرة على حساب العربية.

هذه الأخيرة، قناة العربية، التي لا ندري هل هي من نصنفها رقم واحد أم الجزيرة، حيث أن درجة الاحترافية بكلتا القناتين كبيرة جدا، و تجعل من الصعب ترتيب أي واحدة على الأخرى، ربما من جهة الخط الافتتاحي يمكن لجمهور المشاهدين ترتيبهما حسب ميوله، أما من الناحية المهنية، فقد وجدت من الصعب وضع واحدة قبل الأخرى.

قناة العربية، خلال تغطيتها الجيدة جدا و المتواصلة للحرب على غزة، اختارت الركون إلى الجانب الإنساني بالقطاع و اللجوء إليه، مع عدم إهمال باقي الجوانب في الحرب، و قد كانت العربية متميزة جدا في تركيزها على الجانب الإنساني في غزة، و لكن ما لاحظته خلال الأيام الأولى لتغطيتها للحرب، هو عدم وضوح رأي العربية اتجاه ما يحصل، يمكن لأن توجه قناة العربية لا يميل أبدا إلى حركة حماس، الآن و بعد 14 يوما من بداية العدوان، بدا موقف قناة العربية واضحا جدا، و بدون تحفظ، حتى موقف مقدمي أخبارها بات واضحا، و أصبحنا نرى تعاطفهم الواضح مع غزة، و لومهم المباشر للعدوان الإسرائيلي. يمكن عدم وضوح موقف العربية في الأول كان نتيجة عدم تبلور موقف المملكة العربية السعودية من الحرب في أول بدايتها، فتبعية العربية للسعودية هي تماما مثل تبعية الجزيرة لقطر.

قناة المنار، أيضا كانت مواكبة لما يحدث، بصور دموية جريئة جدا و عناوين صريحة و حماسية، و توجه المنار الواضح و تبعيتها المباشرة لحزب الله، تجعلها محدودة الجمهور، و هي بعيدة عن المنافسة أصلا لأن غرضها جهادي إعلامي، و مع ذلك فهي تقوم بدورها على أكمل وجه، و مجال للمقارنة بينها و بين قناة الأقصى التابعة لحركة حماس من ناحية الاحترافية و التنظيم.

و تقريبا، نفس الجمهور الميال لقناة الجزيرة تجده يبحث بين الحين و الآخر عن قناة المنار أو الأقصى بواسطة الريموت كنترول. و قد يبحث نفس الجمهور عن قناة العالم الإيرانية الناطقة بالعربية، فهي تسير في نفس الخط تقريبا. قناة روسيا اليوم، رغم محدودية جمهورها هي الأخرى، أظنها قد تكسب عددا جديدا من الجماهير بفضل تغطيتها للحرب الحالية على غزة، حيث نرى بالقناة لوما لإسرائيل و إن كان غير شديد اللهجة، و تضامنا جميلا مع أهل غزة يعكس سياسة روسيا اتجاه فلسطين و أمريكا و كل ما يحدث في العالم.

قناة أبوظبي أصبحت خارج المنافسة منذ مدة طويلة، حتى في حرب لبنان 2006 كانت كذلك، أتحدث هنا عن المنافسة الإخبارية، لأنها خلال العداون على العراق و سقوط النظام البعثي، كانت تغطيتها مميزة، و كذلك قناة المستقبل. الأل بي سي، أراها تنتظر انتهاء الحرب، لتعطي الضوء الأخضر لانطلاق ستار أكاديمي 6، رغم أني أصنفها من أكثر التلفزيونات العربية جرأة و مقدرة على عرض ما لا يعرض، سواء في الفن أو السياسة.

حلم طفل غزاوي

إسرائيل هي دول قاتلة للأطفال و بدون منازع تستحق هذا اللقب، 75 طفلا لحد الآن هم ضحايا عدوانها على غزة، دولة تمارس إرهابها و بكل حرية أو حرج على مدينة كاملة بما فيها و بمن فيها، شجرا و حجرا، رجالا و نساء و أطفالا.

قد يكون الصهاينة المخططون لتلك الضربات محقون في تأكيدهم على أن هدفهم الوحيد هو حركة حماس و من ينتمي إليها، لكن، لا يهم إن كانت نتيجة تلك الغارات بضع مئات من الضحايا الإضافيين الذين جعلتهم الصدفة يسكنون بجانب المؤسسات الحكومية الرسمية، أو جعلتهم الصدفة جيرانا لأحد قادة و مناضلي الحركة المستهدفة. و لا بأس أيضا من الخطأ في التصويب أو في المعلومات غير الدقيقة عن أماكن تواجد المستهدفين. لا بأس من إصابة المدارس و المستشفيات بالخطأ، لأن قيمة الإنسان الفلسطيني أصلا منعدمة عندهم سواء كان حمساويا أو مواطنا عاديا.

أشعر بالأسى و بمشاعر لا أود وصفها و الكشف عنها هنا، عندما أتذكر تلك البرامج التلفزيونية المجملة لصورة أمريكا، الراعي الأول للإرهاب الصهيوني، برامج تلفزيونية قد تكون واقعية، عن احترام حقوق الطفل بالولايات المتحدة الأمريكية، و عن قضايا الطفولة و مشاكلها، مشاكل كبيرة فعلا و هامة، و أخرى تافهة أحيانا تفاهة الحياة الاستهلاكية التي غرقنا فيها كلنا.

الطفل له حقوق إذا كان يعيش داخل تلك الحدود، حدود الدول التي صنعت تلك الحقوق و طبقتها. التطبيق غير مضمون خارج تلك الحدود، قد لا يكون حق الحياة مضمونا، كما في فلسطين اليوم، الطفل الغزاوي يتمنى مع بداية سنة 2009 أن يبقى على قيد الحياة و بدون إعاقة تقسم جسمه إلى نصفين.

للأسف، لا يوجد عربي واحد الآن سواء كان ملكا أو حاكما، أو من النخبة أو من العامة و الغوغاء، يستطيع تحقيق تلك الأمنية للطفل الغزاوي، أبعد ما يمكن عمله هو التكفل به بعد أن يفقد أحد أعضاءه أو إحدى حواسه و نقله إلى مستشفى راق خارج فلسطين، أو التكفل به نفسيا بعدما تكون الحرب قد حطمته كليا و جعلت منه شبه إنسان. و هذا الطفل المحظوظ هو ذلك الذي يضمن تتبع وسائل الإعلام لحالته، لأن ذلك سيضمن ظهور فلان و علان ممن يصرفون على علاجه من مالهم أو من مال الشعب. لست أبخل بمال الشعوب العربية على أطفال غزة لو كانت كلها ستذهب لهم، لكني أسخر من السخاء العربي الرسمي الذي ربما يحاول به صارفوه تغطية العجز السياسي و تهميش إسرائيل و أمريكا لأصواتهم.

ترمومتر الموت

150، 200، 280، 300، 350، هذه بعض الأرقام التي بقيت في ذهني من خلال متابعتي كما كل الناس هذه الأيام للقنوات الإخبارية المتسابقة لبث صور الموت والدمار بغزة. أرقام تعبر عن حجم الكارثة الواقعة بغزة، عن عدد الشهداء، الضحايا، القتلى، ربما لا تهم تسميتهم هنا ولا اللون الإيديولوجي الذي ترتديه تلك التسمية بقدر ما يهم فعلا عددهم الرهيب المتصاعد، لأنّ ترمومتر الموت لا يعرف النقصان أبدا.

ما يهم أيضا، هو كيفية جعل الترمومتر ثابتا عند عدد معين، أو على الأقل جعله بطيئا، لأنه وللأسف حتى هذه المهمة صعبة جدا، إلا في حالة رضا الأسياد عنها. آلة الموت لن تتوقف إلا أرادوا هم.

الإعلام في زمن العولمة خلق لنا متعة جديدة وفرجة ممتعة ومؤلمة في آن واحد، تجعل من المشاهد إما ساديا أو مازوشيا. يسارع المراسلون والصحفيون إلى الظفر بالخبر اليقين وتأكيد عدد الضحايا في كل مرة، يحسبون ويعدّون ونحسب ونعد معهم لعلّهم يخطئون، نترقب وندقق في كلامهم لعلّنا نجد تناقضا في العملية الحسابية البسيطة التي يقومون بها، 4 موتى جدد زائد 380 سبق وماتوا يساوي 384 ميتا، يتوقع المحللون تزايد عدد الشهداء ويزيد فعلا، لأن الأمر لا يحتاج لمحلل ذكي يكلف القناة الفضائية مالا وتعبا واتصالا بالأقمار الصناعية، ما دامت أسباب الموت مستمرة كما تم التخطيط لها.

أطفال غزة يمثلون أكثر من نصف سكانها، يا ترى كم سيكونون بالنسبة لهذه المدينة المنكوبة بعد انطفاء نار الجحيم التي اشتعلت لتوها؟ أكيد عددهم سينقص، لكن بالمقابل عدد الشيوخ والنساء والكهول والشباب أيضا سينقص. الأمر بديهي. لكن من سينقص أكثر؟
الجواب على هذا السؤال سنسمعه من إحدى القنوات التي ستحقق السبق الصحفي بعد انتهاء ما يحدث، وتأتي لنا ببيانات وأرقام دقيقة بعدما يتوقف ترمومتر الموت عن الصعود.

ليس لنا إلا متابعة الفضائيات، ومساعدتها في تدقيق عدد الشهداء.

ولكن، أثناء هذه المتابعة، نكتم في أنفسنا حلما جهاديا يرفض الظهور إلا عند تحققه، نتمنى خلال مشاهدتنا لصور الموت والدم، أن نسمع عن رد فلسطيني قبل كل شيء وليس عربي، رد جهادي فلسطيني مهما كان لون عباءته أو اتجاهه السياسي، رد يجعلنا نرضى ونطمئن، وأكيد أن الأغلبية تتمنى توقف كل هذا، لكي نعود لحياتنا العادية كما كانت، ونرتاح من مشاهدة القنوات الإخبارية والتدقيق في عدد ضحايا العدوان الصهيوني.